قصة "البجعة"

سحب محمد مزلاج المسدس، ارتجف من صوت خروج الرصاصة من خزينة الرصاص لتصبح في ماسورة المسدس... وبمجرد انتقال الرصاصة إلى الماسورة شعر بألم حادّ في آخر سِنَّةٍ بفكه الأيسر، كأن الرصاصة التي خرجت من الخزينة لم تمر إلى ماسورة المسدس، بل استقرت في جذر سِنِّه.

مدّ المسدس إلى زوجته، وقال:

- خذي، وأطلقي النار!

لم يؤثر صوت الرصاصة التي انتقلت إلى ماسورة المسدس، وأصبحت على وشك الانطلاق، ولا تأثير للون الموت على زوجته، ولم تتغير ملامح وجهها على الإطلاق، كما لم يتغير لون وجهها وعينيها، وقالت بصوت خافت وهي تحدّق في وجه محمد:

- ولمَ أنا؟ ألستَ من شد المزلاج؟ أطلقْ إذن!

إما بسبب برودة صوت زوجته، وإما بسبب الألم الحاد في سِنِّه المصابة، والذي أوجع الجانب الأيسر من فكه، وبدأ يوخز قلبه، أنزل محمد المسدس الذي رفعه نحو صدغه، وقال:

-       لا أستطيع.

قال هذا، ثم وضع يده الأخرى على خدّه الذي بدأ الألم الحاد يتصاعد منه، ويتسرب إلى دماغه.

قال هذا الكلام وكأنه ليس هو الشخص الذي اشتاط غضبًا قبل قليل، وصرخ متلعثمًا، وانقضَّ على زوجته، وأراد خنقها.

وحتى في ذلك الوقت– عندما كان يصرخ وينقضّ على زوجته في محاولة خنقها- لم تتغير ملامح وجهها، أما محمد فقد اشتد الألم في سِنّه بسبب صراخه وبدأ يعذبه أكثر فأكثر.

كانت زوجته تنظر إليه وملامح وجهها جامدة كما هي، وبنفس الصوت البارد قالت:

- لا أفهم، من الذي يريد أن يموت، أنت أم أنا؟

كان صوت زوجته، أم رائحة حديد المسدس أسود اللون الذي قبض عليه طويلاً في يده حتى أصبح ساخنًا، أم كان طعم الحشو الذي وُضع في سِنِّه الميتة أول أمس وجسمه يرتجف، قد جعل جوف فمه يملأ بشيء يشبه طعمه محلولاً كيميائيًا.

بالأمس عندما كان طبيب الأسنان - في ردائه الأبيض وبشعره الأشعث ووجه الذي يشبه السَّن الحادة- يعالج سِنَّه المصابة في فكه الأيسر، ويضع فيها حشوًا كان يقول:

- إنها سِنٌّ ميتة.

وبعد تلك الكلمات، ورغم أن محمدًا كان يشعر بكل كيانه أنه يحمل ميتًا داخل فمه، فإنه تجاهل ذلك. إنه كان أمرًا سيئًا تشمئز منه الأنفس، كامرأة حامل تحمل في بطنها طفلًا ميتًا. والآن، شعر محمد بطريقة ما "بطفل ميت" في بطنه، مما أدى إلى انقباض قلبه. كلّما كان محمد ينظر إلى رقبتها، وحاجبيها الأسودين الدقيقين، وعينيها السوداوين اللتين تقتدحان شرارًا، وهي تستلقي على سرير كبير وتشبه رسوم سيدات على اللوحات في القرون الوسطى وعليها قميص نوم وردي اللون، كان انقباض قلبه يتحول إلى الغثيان.

ما زالت زوجته تحدق فيه وملامح وجهها جامدة. كانت تنظر إليه، وكأن الذي بيد محمد ليس مسدسًا بل يده إنما على شكل مسدس.

كان محمد ينظر إلى باب غرفة النوم الزجاجي، ويفكر في نفسه، يا ترى هل أضرب هذا الزجاج برأسي، وأجرح رأسي ووجهي، أو أصبّ البنزين في كل الغرف، وأضرم النار فيها لعلي أستطع بطريقة ما تغيير ملامح وجهها؟!

بلع ريقه، ورفع هذه المرة المسدس، وثبَّته على جبين زوجته المستلقاة بالقرب منه، وقال:

- سأقتلكِ إذن.

كأن حدقة العين اتسعت، والتوى طرف شفتها قليلاً من كلامه هذا، ثم لسبب ما عادت إلى حالتها السابقة، وقالت بصوت خافت:

- اقتلني!

عندئذٍ أدرك محمد شيئًا واحدًا أنه لا يستطيع قتل زوجته بإطلاق الرصاص.

ما زالت زوجته تحدق فيه بملامح وجهها الميت، ثم قالت وهي تتنهد تنهيدة عميقة:

- تعبت من هذا الوضع، وبعد أن ارتطمت بالسرير استدارت بوجهها إلى الجدار، وأضافت بصوت فيه شيء من البغض:

- لا تنسَ أن تطفئ النور قبل النوم.

لم يتمكن محمد من النوم طوال الليل. بدأ يستحضر في ذهنه وسِنِّه تتألم بشدة أمه وجدته وأخواته، وجميع من يعرفهنّ من الفتيات من أقربائه منذ ولادته، وحاول أن يجد أوجه التشابه بينهن وبين زوجته، لكنه لم يجد أي تشابه، وبسبب ذلك بدأ يعاني من الأرق. وفيما بعد كان يفكر وألم سِنِّه يكاد يفجر عينه اليسرى أنه يسكن معها منذ خمسة عشر عامًا تحت سقف واحد، ويضع رأسه على نفس الوسادة وله أطفال منها، ويقسم قوت يومه معها، ولكن ليس لديها أي شيء مألوف أو قريب منه، بل إنها كانت في الواقع لا تملك شيئًا لا من قريب ولا من بعيد. في الواقع– دائمًا عندما كان محمد يفكر في زوجته، وتستنتج هي ذلك الأمر كان يشعر بخفقات قلبه وبرودة في يديه – لم يفهم حتى الآن من هي زوجته، ومن هنا كان يخلص إلى أن زوجته ليست بشرًا على الإطلاق... أول مرة أدرك محمد أنها ليست إنسانة، منذ عامين في يوم من الأيام العادية عندما جلسا وجهًا لوجه يتناولان الغداء في المطبخ.

في هذا اليوم، فقدت زوجته أعصابها من جراء جدال تافه، وفجأة حدَّقت في محمد حتى ارتجفت أوصاله. بعد ذلك الحادث وجد نفسه لا يستطيع أن ينظر في عيني زوجته مرة ثانية. وذات مرة هجم عليها وضربها خوفًا من تلك النظرات، ويذكر أنه في يوم من الأيام أوقعها على السرير، وبدأ يضربها على رأسها، وقتها لم يشعر برأسها، ولم يرَ إلا هاتين الحدقتين اللتين تقذفان في قلبه الرعب، فاشتدت ضرباته، وظنّ أنه قضى عليهما، ولكن بعد بضعة أيام وجدهما كما هما تنظران إليه بنفس العناد والبغض. وبعد تلك الحادثة احتفظت هاتان الحدقتان في أعماقهما بنفس العناد والكراهية بالرغم من أنها رقدت في المستشفى بسبب ارتجاج في مخها وحول في عينيها. ومنذ ذلك اليوم أدرك محمد أن زوجته لن تعود إنسانة حتى إذا ضُربت ألف مرة.

كان رأسه يؤلمه من كثرة التململ في الفراش، فنام على جنبه الأيمن، نظر بعينيه الناعستين إلى رأس زوجته النائمة، ثم أغمض عينيه، وبدأ يعد من المائة إلى الواحد لكي ينام... وأخيرًا بطريقة ما استغرق في النوم، حلم محمد بأنه يدفن زوجته وهو يبكي منتحبًا...

أبدى جمال وجه زوجته في التمثال المصنوع من الرخام الأسود الذي طلب نحته على ذوقه بمال جمعه بصعوبة بالغة قبل وفاتها، ولأن التمثال كان كبيرًا جدًا، وضعوه على قبرها بواسطة الرافعة. وكلما كان الناس يطوفون حول التمثال، وينظرون إليه من أسفله كان محمد يكاد أن يموت من شدة البكاء... فالتف الناس حوله يطيبون خاطره، ويقولون له أشياءً تتعلق بالموت، ويقومون بمواساته باهتمام، ولا أحد يعرف السبب الحقيقي لبكائه المرّ ولن يعرف، وسيُدفَنُ هذا الألم والحزن معه.

عندما استيقظ محمد من النوم في الصباح وجد أن المسدس لايزال في مكانه على الخزانة الصغيرة بجوار السرير، ورتّبت زوجته الغرفة قبل مغادرتها المنزل إلى العمل كالعادة، ومسحت الغبار من على الخزانة، ولم تلمس المسدس. أخذ المسدس، وبدأ يقلبه في يده من جانب إلى آخر.

كان المسدس محشوًا منذ الليل. أخرج الرصاصة ووضعها في راحة يده. في البداية قرر أن يترك المسدس في مكانه الخاص-على الرف العلوي بالدولاب الموجود في الدهليز-ثم انصرف عن فكرته هذه، ووضع الرصاصة في درج الخزانة الصغيرة، وأما المسدس فتركه على الخزانة كما هو ونهض من السرير.

عندما كان يشبك أزرار قميصه شعر بألم شديد كأن صاعقة ضربته في جذر سِنِّه التي تورمت من شدة الألم طوال الليل حتى إن فمه كاد أن لا يتسع لها، وأيقن محمد مرة ثانية أنه لا بد له من الذهاب إلى الطبيب.

* * *

بعد بضع ساعات، عندما مسك طبيب الأسنان أدواته، وكاد أن يدخل بكل جسده في فمه، كان محمد لا يزال يفكر في قتل زوجته، وكلما شعر بألم شديد في سِنِّه كان قلبه يشفق على نفسه وعلى زوجته. كلما لخلخ الطبيب سِنَّه التي تؤلمه، تخيل محمد بأنه يضغط بكل قوته على وسادة وضعها على فم زوجته. تخبطت زوجته تحت الوسادة مثل بجعة بيضاء، ثم لفظت نَفَسَها الأخير. كان محمد يدرك حقيقة الأمر، فرفع الوسادة من على وجه زوجته، وبكى بنحيب وهو ينظر إلى امرأة حسناء ذات رقبة بيضاء حتى أغمي عليه. كانت جميلة حتى بعد موتها.

ومن هذه الفكرة شعر محمد أن شيئًا ما يعصر قلبه؛ ففاضت عيناه بالدمع، وانهمرت الدموع على خديه، وسقطت على يد الطبيب التي تفوح منها رائحة المخدر. رفع الطبيب رأسه ونظر إلى محمد بعيون ذاهلة، ثم دفع بمعصمه النظارة التي تدلت إلى راعف أنفه، وفي ارتباك وحزن قال:

- ولكن ينبغي ألا تتألم؟!

لما خرج محمد من غرفة طبيب الأسنان كان يشعر بألم في كل جسده، ومع كل خطوة تخطوها أقدامه مثل ألم سِنِّه المصابة في فكه الأيسر، ومع كل نظرة في عينيه، ومع كل نبضة في قلبه، كأن جذور سِنِّه المصابة امتدت من تحت ذقنه إلى كل جسده.

هبَّت الرياح... فرفع ياقة سترته ليستر بها وجهه، وسلك طريقه في مواجهة الرياح. وكلما ضربت الرياح الغبار على جسده المريض تذكر المسدس الذي تركه في الصباح على الخزانة الصغيرة، ودق قلبه باضطراب، من أين وكيف خطر بباله هذا السلاح الأسود؟ لقد اشتراه قبل بضع سنوات من السوق السوداء التي دخلها مع زوجته بالصدفة. كان المسدس ملفوفًا بمنشفة قديمة ومنسيًا على إحدى الرفوف العليا في الدولاب الجداري في الدهليز، ثم انتبه! ... كأن فكرة قتل زوجته عادت تدور بخلده. ولكن لماذا كان يريد أن يقتل هذا المخلوق الصامت؟ من أين تبادرت هذه الفكرة السخيفة إلى ذهنه؟ إذا كانت تلك المخلوقة شبه المرأة لا تحبه، أي كما كان في السابق لا تستطيع أن تحبه، لِمَ كان عليه أن يقتلها؟ يا ترى هل يجبر الميتة على حبه؟

كلما هبَّت الرياح بصوت مخيف تذكر محمد مسرحية "الانتحار"...  المخجلة التي قام بها وهو يحمل المسدس بيده ليلة أمس، فكاد يموت من الخجل.

مرت شاحنة أمامه، وتوقفت بعد أن كادت أن تدهسه، ملأ صوت السائق المسنّ الذي أطلّ برأسه من نافذة السيارة كل الشارع:

- يا مجنون إذا كنت تريد أن تموت اذهبْ وارمِ نفسك في البحر، لا تسبب لنا المشاكل!

نظر محمد إلى السائق نظرة بليدة لا معنى لها، وفكّر في نفسه بأنه لا يزال يحب زوجته.

كان في الطريق إلى البيت عندما تذكر مسرحية "الانتحار" التي قام بها الأسبوع الماضي وأخاف بها أولاده وأبكاهم، وبعدها قالت زوجته، وكأنها سئمت من الحياة ومن كل شيء حولها:

- احترمْ المسدس على الأقل.

 تذكرها وهي تقول هذه الكلمة. وبعد ذلك اليوم سقط المسدس من عين محمد.

عندما وصل محمد إلى حارته أخذت تسري في بدنه قشعريرة... وارتجف بعد أن شعر بأن رياح هذه الحارة تعوي بشكل مختلف... في منزله؛ المسدس الذي ينام بصبر على الخزانة بجوار سريره، وكأنه ينتظر أمرًا ما، وصورة زوجته الميتة، والغرفة الصامتة الباردة... فتح محمد باب المنزل بمفتاحه الخاص. وجد حذاء زوجته عند الباب، سُمِعَ صوت خافت للتلفزيون من المطبخ، خلع ملابسه في الدهليز، ودخل غرفة النوم بخطوات ثقيلة.

كان المسدس لا يزال على الخزانة الصغيرة كما تركه في الصباح... خلعت زوجته ملابسها في هذه الغرفة بعد عودتها من العمل، وتركت ملابسها على السرير وساعتها وأقراطها وخاتمها أمام المرآة. تقدم بخطوات بطيئة نحو الخزانة، وأخذ المسدس، ثم تفحص ما حوله في الغرفة باحثًا عن مكان لإخفائه.

- ماذا، لا حاجة إليه؟

إنها كانت زوجته... كانت واقفة على عتبة باب الغرفة واضعة يدها خلف ظهرها، تنظر إليه بعينيها الناعستين بسبب التعب أو الكراهة والحقد...

مسح المسدس بلطف، وقال:

-                  لماذا؟

وقفت زوجته فترة على عتبة باب الغرفة وعلى وجهها علامات استهزاء لاذعة، ثم استدارت، وبخطوات بطيئة على ما يبدو انصرفت إلى المطبخ.

ومن ملامح وجهها بدأت سنّ محمد المصابة تؤلمه من جديد... وتناهى إلى أُذنه صوت طبيب الأسنان:

-                  السن المصابة تحتاج إلى الهدوء.

كان يبدو على وجه زوجته علامات التعب والهم أثناء تناول وجبة العشاء. كانت تأكل الطعام على مضض، كأنها لا تشعر بطعم الأكل، وبين الفينة والأخرى وهي تشاهد التلفزيون كانت تقول لابنتها:

-                  امضغي الطعام جيدًا.

وكانت ابنتها تنظر إلى وجه أبيها تارةً وإلى وجه أمها تارةً أخرى، وتحدق فيهما وهي تمضغ الطعام في وجوم. وعندئذٍ حوّلت زوجته بصرها عن التلفزيون، ونظرت إلى وجه الطفلة، وقالت بصوت صارم:

- ما الذي حدث؟

اصفرَّ وجهها، وهزت كتفيها، وقالت:

- لا شيء، ثم اغرورقت عيناها بالدموع كأنها تلقّت فجأة صفعة في مكان جلوسها. أما محمد فكان يفكر في أنه لعل الأولاد استولى عليهم الرعب الآن أيضًا... ثم بدا له أن اللقمة في فمه تزداد كلما مضغها، والطعام في الطبق يزداد حجمًا بدلاً من أن ينقص.

ترك الشوكة على المائدة، ثم قام من مكانه، ودخل غرفة النوم، ودون أن يشعل النور بدأ في خلع ملابسه. كان يتحرك بحذر خوفًا من أن يحرك شيئًا ما، ثم استلقى على فراشه، وسحب اللحاف فوق رأسه. وبعد قليل... كأن زوجته كانت تتمرمغ بين يديه القويتين... أمسك رقبتها بيدٍ، وبيده الأخرى كان يمر بموسيّ على بشرتها البيضاء ببطء. وكلما كان دمها الساخن يسيل على ذراعيه، كانت الدموع بنفس السخونة تنساب من عينيه... كانت زوجته تتلوى بين ذراعيه مثل بجعة حتى توقف سيلان الدم... كان كثير من الليل قد انقضى حتى دخلت زوجته في هدوء الظلام. وعندما أشعلت النور كان محمد يضع بحذر على التراب زوجته التي سكتت للأبد...

نظرت إلى المسدس على الخزانة الصغيرة، حركت شفتيها المصفرتين ببطء، وقالت:

-                  ما الذي حدث، ألم تعد تريد أن تقتل نفسك؟

عندما قالت هذه الكلمة تجمد طرف من شفتيها، أو بدا لمحمد ذلك.

أدخل محمد رأسه الناعس تحت الوسادة، وبدأ يفكر في أنه لو استطاع قتل نفسه لربما تمكن من أن يدخل الحيوية في جسدها الميت، وبعد هذه الفكرة شعر بطمأنينة غريبة في داخله. وبعد ذلك، كان يفكر والأسى يأكل قلبه، وما زال رأسه تحت الوسادة: لربما كان هذا رد فعل زوجته على "مسرحية" الشهور الأخيرة، وإذا كانت مسرحية ثانية فزوجته محقة، كم مرة يقوم بالانتحار خلال شهر واحد؟

- لِمَ لا تنامين؟

 أخرج محمد رأسه من تحت الوسادة، ووضع يديه خلف رأسه بعظمة.

خلعت زوجته ملابسها في تثاقل، ولبست قميص النوم، ثم تقدمت نحو المرآة بخطوات خفيفة، ووقفت وظهرها إليه، وأخذت المشط، وبدأت تصفف شعرها، قائلة:

-                  وأنت لِمَ لا تنام؟

ولأول مرة في حياته شعر محمد أن صوت زوجته يتهدج.

-                  أتظنينني لا أخاف من الموت؟

 قال محمد هذا، وشعر أن حدقتي عيني زوجته قد اتسعت مجددًا من كلمة "الموت".

نهض محمد وجلس في فراشه، أخذ المسدس من على الخزانة الصغيرة، وبدأ يقذفه إلى أعلى ويلقفه وهو ينظر إلى صورتها في المرآة. وضع ماسورة المسدس على صدغه تارةً ووجهها إلى صورة زوجته في المرآة تارةً أخرى، وشعر أنه كلما وضع المسدس بجانب صدغه يجفل ويرتجف عكس زوجته في المرآة. كان ينظر إلى صورة زوجته في المرآة بعين العطف، وكلما نظرت زوجته إليه كان يتعافى، وشعر بغصة في حلقه من رائحة شيء ما بدأ ينبت ويتفتح في داخله، واغرورقت عيناه بالدموع... كانت فوهة المسدس على صدغه وهو ينظر إلى صورة زوجته، وفي هذه الحالة فكر محمد حينئذ أنه لو لم يفرغ المسدس هذا الصباح لكان من الممكن أن يموت ناظرًا إلى وجهها الحنون، فوضع إصبعه على الزناد، وقال:

- إذن! ماذا تقولين، هل أطلق النار؟

كأنها لم تسمع ما قاله، اتسعت حدقتا عينيها، نظرت إليه بتجهم، وأصبحت مثل الميتة، وقالت بصوت صارم:

أطلق! ثم ثبِّت إلى الخلف.

 وقالت بصوت صارم لم يسمعه محمد أبدًا من قبل:

-                  قلتُ لكَ أطْلِق!

إما صوت زوجته، وإما ملامح وجهها، وإما رعد قاصف ضرب فكه الأيسر وهزَّ يده؛ فضغط بإصبعه على الزناد... أخرج صفير الرصاصة مخ محمد بجانب ألم فكه الأيسر، تسببت قوة الرصاصة في إسقاط جسده على الوسادة... ظل محمد محدقًا عينيه في السقف... وظهرت في عينيه الشاخصتين بجعة بيضاء في قميص نوم وردي انطلقت كصاعقة ناصعة البياض، وتركت الغرفة بخطوات صامتة...